شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
المنتقبة
مشرفة
مشرفة
انثى عدد الرسائل : 64
العمر : 40
نقاط : 168

الكلمة.. وسيلة للتربية

في الإثنين مايو 10, 2010 9:23 pm



- على ضوء
وصايا لقمان (ع) لابنه وهو يعظه.. كم هي قيمة التربية المباشرة
في
الارشاد والتسديد والنصيحة؟
لعل مسألة التربية من المسائل التي تتنوع
مؤثراتها حسب تنوع أبعاد الإنسان
في مواقع الإدراك فيه. سواء كانت هذه
المواقع مواقع الفكر، أو مواقع
العاطفة والإحساس، أو مواقع الجو الذي
يحيط بالإنسان. ولذلك فإن من الطبيعي
أن تكون الكلمة التي هي وسيلة
إيصال الفكرة من إنسان إلى إنسان، هي إحدى
الوسائل المهمة والحيوية
جداً في مسألة التربية من خلال المضمون الفكري
والروحي والعملي الذي
تتناوله الكلمات. ومن خلال طبيعة نوع الكلمة فيما
اختزنته في تاريخ
التخاطب الإنساني من ايحاءات قد لا يحملها معناها في
اللغة، باعتبار أن
الكلمة تكتسب الكثير من الايحاءات التي تعطي للمعنى
أفقاً أوسع أو
أضيق من أفقه.
لذلك كانت الكلمة هي الوسيلة الإلهية في التربية من خلال
ما أرسل به الله
رسله في الكتب التي انزلها عليهم. نجد أن حركة التربية
الإنسانية تمثل الخط
الطويل الذي عاشته الكلمة في تاريخ الإنسان وفي
كل التأثيرات السلبية أو
الإيجابية في هذا التاريخ.
- الوعظ
بالكلمة:
من خلال ذلك نطلّ على بعض الأطر التي تتحرك فيها الكلمة من
خلال مضامينها:
فهناك كلمة الوعظ التي استخدمت في القرآن الكريم في
التعبير عن خطاب لقمان
لولده وهو يحاول أن يفتح آفاقه على كثير من
قضايا العقيدة، وقضايا الحركة
في الحياة، فنحن نلاحظ أن كلمة وعظ تعبّر
عن المضمون الفكري الذي يختزن في
داخله بعض الجوانب المتصلة بالإحساس
بحيث لا تتحرك الفكرة بوعي الإنسان من
خلال طبيعة الجفاف الفكري الذي
يحيط بالفكرة المجرّدة، بل تحاول أن تلتقط
بعض التعابير المتصلة بإحساس
الإنسان.
- مزيج العقل والعاطفة:
لذلك، فإن الوعظ يتضمن بالإضافة
إلى الفكرة عنصر اقتحام العاطفة الإنسانية
والشعور الإنساني، حتى تكون
المسألة مزيجاً من العقل ومن العاطفة، وبذلك
فإنها تنفذ إلى عقل
الإنسان وقلبه، وعندما يُمزج العقل بالعاطفة فإنه
يستطيع أن يصنع
للإنسان جواً يهز كيانه ويدفعه لاحتضان الفكرة باعتباره أن
الفكرة تفسح
لنفسها، من خلال عناصرها المتنوعة، المجال الواقع للدخول إلى
كيان
الإنسان وهذا ما نلاحظه في كل المواعظ التي لا يبتعد فيها جانب الفكر
عن
جانب الإحساس. ولعلنا نجد أن هذا الأسلوب هو الأسلوب المؤثر في إمكانية
وصول
الحركة التربوية إلى أن تصنع من الإنسان شخصاً آخر على هدى الخط الذي
تتحرك
فيه الموعظة أو تتحرك فيه التربية، لأن الخطأ الذي يعيشه الكثيرون من

الناس في إطلاق الفكرة، يكمن في أن هناك مَن يطلق الفكرة بجفافها العقلي
بحيث
تكون المسألة مسألة معادلات هندسية جامدة تخاطب العقل الإنساني من دون
أن تستجيب لحاجة المناطق الأخرى في الإنسان والمتصلة بجانب الإحساس.
وهناك
مَن يطلق المسألة بالشكل العاطفي الذي لا يجعل الإنسان يفكر بشكل
عميق
ممّا يترك فاصلاً بين الفكر والإيمان، فنحن نجد أن هناك الكثيرين من
الناس
الذين يحملون الفكر ولكنهم لا يؤمنون به، لأن جانب الإيمان هو جانب
تحول
الفكر إلى حالة في الإحساس، وإلى حركة في الشعور.
- الأسلوب القرآني في
الوعظ:
من هنا نجد أن قيمة الأسلوب القرآني هو أنه يحاول أن يلتقط
مفردات الأسلوب
من الحياة، فنرى انّه يدفع بالفكرة في حركة التأمل
ليحيطها بأجواء من الحس
فيما يرى الإنسان وفيما يسمع، وفيما يلمس،
وليحركها في المناطق الحميمة
والعميقة للنفس، من خلال الخوف والرجاء
والحب والبغض وما إلى ذلك.
وعندما نطلّ على هذا المعنى، فإننا نجد أن
أسلوب الوعظ عندما يتحرك بشكل
مدروس جداً، وعندما يكون الواعظ ممن يأخذ
بأسباب القوة في الفكر، وبأسباب
الرقة في العاطفة، كما يأخذ بالانفتاح
على كل المفردات التي يحتاجها العنصر
الفكري والعنصر الشعوري، فإنه
يكون قد أحرز أكثر الأساليب نجاحاً في
التربية.
- الوعظ بالقدوة:
وهناك
نقطة جديرة بالملاحظة، وهي أن الموعظة قد يغلب عليها جانب الكلام،
ولكنها
قد تتحرك بعيداً عنه، وهذا ما توحي به الكلمة التي تقول: "مَن لم
يكن
له من نفسه واعظٌ لم تنفعه المواعظ" فإن هذه الكلمة تعني أن الإنسان
يستطيع
أن يعظ نفسه بنفسه من خلال تجاربه، وهذا ما عبَّر عنه الإمام علي
(ع)
في (نهج البلاغة) "خير ما جربت ما وعظك"، فالتجربة هي التي تستطيع أن
تعطيك
درساً وفكراً وحركة في وعي الواقع من حولك، بما تتضمنه من الجانب
الفكري،
وبما تحتويه من الجانب الشعوري. وعلى هذا الأساس نجد أن الإنسان
الذي
يعظ بفعله قبل كلامه، تكون كلمة الوعظ لديه على أساس أن القدوة وسيلة
من
وسائل الوعظ. وبهذا نستطيع أن نضع كلمة الوعظ في الإطار الشامل لكل
وسيلة
من الوسائل الفكرية التأملية أو السلوكية التجريبية، أو الوسائل
المتضمنة
للإنفعال بالآخرين. إن هذه كلها تمثل الخط الكبير للوعظ الذي يمكن
أن
نختصره بكلمة واحدة، وهو الأسلوب العملي المتنوع في حركته التعبيرية
الذي
يدفع بالفكرة إلى الإنسان في محاولة تصحيح ما انحرف من حياته، أو
تقويم
ما اعوجّ من سلوكه، أو فتح ما أغلق من آفاقه في الحياة.
- جانب
المتلقّي:
إنّ الوعظ يمثل مسألة الفعل من جانب الواعظ، بحيث يقيم الحجة
من خلال كل
جهده حيال التي يريد أن يركز الموعظة في حياتها أو في
داخلها، ولذا فإن
الشخص الذي يتلقى الوعظ لابدّ أن يملك الاستعداد
والقابلية والإرادة التي
تتحرك من أجل مواجهة كل الوسائل التي يتمثل
فيها الوعظ، لأن مسألة الوعظ
مسألة إنفعال بالكلمة، أو إنفعال
بالتجربة، أو إنفعال بالقدوة، أو إنفعال
بكل ما تتحرك به الوسائل
التعبيرية للفكر.. وعليه فإن الإنسان الذي لا
يوجِّه نفسه تماماً كما
الإنسان الميت الذي يفقد الإحساس. وقد تكون مسألة
فقدان الإحساس مسألة
طبيعية في الكيان الميت، وقد تكون في الكيان الحي الذي
يجمّد عنصر
الإحساس في شخصيته. وهذا ما عبَّر عنه الله سبحانه وتعالى فيما
كرّره
في القرآن الكريم: (لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
آذَانٌ
لا يَسْمَعُونَ بِهَا) (الأعراف/ 179)، بمعنى أن الإنسان قد يجمّد
جانب
الإحساس الفكري أو الإحساس العاطفي أو الإرادي في شخصيته، فيتحول إلى
إنسان
جامد: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
لا
يُؤْمِنُونَ) (البقرة/ 6)، (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
سَمْعِهِمْ
وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) (البقرة/ 7)، أي أن الإنسان
الذي
يرفض الوعظ كيف يمكن لك أن تحرك الوعظ في شخصيته؟!
المصدر: كتاب
دنيا الشباب


استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى